مقال لـ: د.عيدروس النقيبهمس اليراع: إلى أين تتجه البوصلة؟ 3*

(نخبة حضرموت) خاص


كنا في تناولتين سابقتين قد أشرنا إلى أن المأزق في الأزمة اليمنية يتمثل في الاعتماد على معطيات ومفاهيم وفرضيات غادرها الزمن ولم تعد قابلة للحياة، ولا المساهمة في تفكيك معضلاتها لأنها نفسها جزءٌ من المعضلة وليست جزءً من الحل، وأشرنا إلى مقولة “وحدة اليمن واستقراره” وفرضية أن “كسب الوجهاء والزعماء القبليين سيؤدي إلى كسب الشعب اليمني”، ونواصل هنا التوقف عند بقية الفرضيات والمفاهيم الخاطئة التي تساهم في تعقيد المشهد ولا تساعد على الخروج من أزماته ومعضلاته المستعصية:

 

 

3.  فرضية “مواجهة أنصار المشروع الحوثي الطغاة والمستبدين المتطرفين بقوى أكثر منهم طغيانا واستبدادا وتطرفاً” وهي قوى معزولة شعبيا ولا تتمتع إلا بدعم المنتميين إليها والمستفيدين من نفوذها وهم أقلية ضئيلة من الشعب الشمالي، وقد أفلست في تسجيل أي نجاح لا لصالح الشعب في الشمال طوال فترة هيمنتها المباشرة وغير المباشرة على الحكم في صنعاء، ولا لصالح مشروع التحالف العربي واستعادة الشرعية المنقلب عليها، ومعظم وجهاء وزعما هذه القوى يتقاسمون الأدوار مع مقربيهم وأفراد أسرهم من الآباء والإخوان والأبناء والأقرباء، فيكون أحدهم في صف الشرعية وأولاده وأقربائه يقاتلون هذه الشرعية في صف الحوثي وقواته، كما إن تاريخ الكثير من هؤلاء الزعماء ممتلء بالمواقف الملتبسة والمزدوجة من تشجيع للإرهاب ورعايته وممارسة الفساد على أعلى مستوياته، إلى الظلم بمختلف أنواعه والتورط في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفتاوى تكفير وإباحة القتل والسلب والنهب بمبررات ودعاوي وفتاوى دينية.

 

إن الرهان على هذه القوى لا يختلف عن الرهان على تلك الجماعات التي أسقطت نظام صدام حسين البعثي في العراق لتسلم العراق لإيران، وإن محاولة إسقاط الحوثي واستبدال مشروعه السلالي الاستبدادي المتطرف المدعوم من إيران عن طريق الاعتماد على قوى أسوأ من الحوثي وأكثر منه ظلما واستبدادا وفسادا وتطرفاً، إنما يجعل الشعب الشمالي بين خيارين : شرٍ موجود على الأرض وقد جرى اختباره والتعايش معه، وشرٍ أسوأ منه يسعى غادر المشهد ويسعى للعودة إليه بغض النظر عن الوسائل، ولذلك يختار الناس الشر القائم المجرب بدلا من ذلك الشر الذي قد يعود أكثر قمعا وطغيانا واستبدادا وتطرفاً.

 

4.مقولة المرجعيات الثلاث

 

وقد توقفنا عند هذه الجزئية في تناوله سايقة، وقلنا أن هذه المرجعيات إما استنفدت وظيفتها ولم يعد التقيد بها يعني شيئاً أو أنها مرفوضة من كل الشركاء الذين يتغنون بها، ومن هنا هي لا تصلح لمعالجة أزمة هي أكبر من النصوص والعبارات ومجلدات الكلام.

 

5. الرهان على القوى والأحزاب السياسية العتيقة التي أكل الدهر عليها وشرب دون أن تقدم أي رؤية سياسية للمستقبل قابلة للحياة، فيعلم الجميع أن ثورة الحراك السلمي الجنوبي التي ظلت بعيدة عن الأضواء لسنوات، وهي أول تحرك شعبي سلمي في الوطن العربي نشأت وتنامت بعيدا عن تأثير الأحزاب والقوى السياسية ومثلها ثورة الشباب السلمية في الشمال التي ما إن دخلت الأحزاب في خطها حتى أفرغتها من مضمونها وحولتها إلى صفقة سياسية لتقاسم السلطة من النظام الحاكم.

 

هذه الأحزاب تآكلت رقعتها وتضاءلت كياناتها شيئا فشيئا حتى غدت مجرد هياكل عظمية بلا أجساد ولا دماء ولا أرواح، وقد رأينا ذلك التحالف العجيب الذي نشأ في مدينة سيؤون في منتصف أبريل الماضي بين تخزينة وضحاها، فقد تعاطى القادة القات أثناء جلسة مجلس النواب اليتيمة منذ خمس سنوات، وقرروا إنشاء تحالف حزبي مؤيد للشرعية وصباحا ذهبوا للتوقيع على الاتفاق وإشهار التحالف دون أن يرجعوا لأية هيئة قيادية أو قاعدة شعبية لأنهم بلا هيئات ولا قواعد شعبية.

 

وأخيرا إن هذه الأحزاب والقوى السياسية التي تفرض نفسها ممثلاً وحيداً للشعب في الشمال والجنوب، هي من أوصلت البلاد إلى ما هو عليه من انهيار وتشظي ومهانة، ولا يمكنها أن تخرج الشعب مما هو فيه فالمصاب بالجرب لا يمكن أن ينجح في علاج مريض الحساسية بل سينقل إليه أمراضه وآفاته المزمنة.

 

إلي أين تتجه البوصلة إذن؟؟

 

ذلك ما سنتوقف عنده قريبا بإذن الله.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق